zeinab nada esraa houssein hoda

    سيرة الشيخ راغب حرب

    شاطر
    avatar
    ibrahim
    Admin

    عدد المساهمات : 369
    تاريخ التسجيل : 16/04/2009
    العمر : 28
    الموقع : www.al-fajer.tk

    سيرة الشيخ راغب حرب

    مُساهمة  ibrahim في الأحد أبريل 19, 2009 5:37 am

    مداهمة منزله

    وكما كان متوقّعاً، فقد داهم الجنود الصهاينة المدججون بالسلاح منزله مرات عديدة ومتتالية، كان أبرزها في كانون أوّل عام 1982م، الموافق 27 صفر 1403هـ، إلاّ أنهم لم يجدوا أي أثر له، وللتعويض عن فشلهم في اعتقاله، فقد صادروا من منزله سلاح الصيد الذي ورثه عن والده، وكانوا في كل مرّة يداهمون فيها منزله، يلجأون إلى أساليب رعناء، ويلقون الذعر في قلوب أطفال المبرّة الصغار الذين آواهم الشيخ في منزله، لعدم اكتمال بناء مبرّة السيدة زينب(ع).

    زيارته للجمهورية الإسلامية

    خلال هذه الفترة، لم ينقطع الشيخ عن زياراته المتكررة لبيروت، والتقائه بالعلماء العاملين فيها، والمؤمنين المجاهدين، يشاركهم صياغة تصور إسلامي واضح للمواجهة مع العدو، كذلك فإن زياراته للجمهورية الإسلامية لم تتوقف، حيث وصلها في العاشر من ربيع الأول عام 1403هـ، لحضور المؤتمر العالمي لأئمة الجمعة والجماعة، الذي كان سيعقد في طهران ضمن نشاطات أسبوع الوحدة، غير أن زيارته هذه المرة، بدأت تكتسي حلّة جديدة، وتكتسب طابعاً مميّزاً، خاصة بعدما برز كقائد شعبي يقود أبناء أمته نحو العزة والكرامة، وقد التقى مع المسؤولين هناك، ليرسم بالتعاون معهم الخطوط التفصيلية للعمل الجهادي ضد الاحتلال، وسبل مقاومته والتصدي له، وهناك علم بدخول الإسرائيليين إلى داره مرة ثانية، وإرهابهم لزوجته التي أغمي عليها، واستخدامهم موقعاً بالقرب من منزله، فاتصل بإخوانه في لبنان، وأخبرهم أنه سيعود قريباً جداً لمواصلة العمل الجهادي..

    عاد هذه المرّة إلى جبشيت، مزوّداً بدعاء الإمام، ليتحرك في قرى الجنوب بهمة عالية وإيمان كبير، داعياً الناس إلى التمرد والعصيان على واقع الاحتلال البغيض.

    الاعتقال الذي ألهب شرارة الرفض والمواجهة..

    لم يكن العدو ليغفل عن تحركات الشيخ أو نشاطاته، فبثّ العيون والجواسيس، لتلاحقه وتترصده، حتى استطاعوا في نهاية الأمر تحديد المكان الذي يبيت فيه..

    وفي الثامن من آذار عام 1983، وقرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل، دهمت قوة إسرائيلية كبيرة المنزل الذي كان يبيت فيه، وهو منزل ابن خالته، فدخلته بوحشية وقسوة، وعاملت الشيخ بجفاء وغلظة، واقتادته مكبّلاً معصوب العينين إلى مقر المخابرات بالقرب من بلدة زبدين، وهناك، قال له الضابط الإسرائيلي المدعو "أبو عامر": "ألم يكن من الأفضل أن نلتقي بغير هذا الشكل"، فأجابه الشيخ (رضوان الله عليه): "بل هكذا أفضل بألف مرة"، ثم اقتيد إلى معتقل أنصار، وبعدها إلى مركز المخابرات في مدينة صور، حيث التف حوله كبار الضباط الصهاينة، ليتعرفوا على ذلك الرجل الذي أرهبهم، وأفسد عليهم الأمور..

    وفي الاعتقال والأسر، مارس الأعداء أساليب الإرهاب والإذلال والتعذيب النفسي، ليوهنوا من عزيمته، ويضعفوا إرادته، وحاولوا أن يساوموه على أمور كثيرة، لكنهم اصطدموا بعناده القوي، وإصراره الكبير..

    سألوه في التحقيق: "ماذا يمثل الخميني بالنسبة إليكم"؟

    فأجابهم: "هو إمامنا وقائدنا".

    ـ "هل تقاتلوننا لو أمركم بذلك"؟

    ـ "نعم، بكل تأكيد".

    ثم قالوا له: "إن كلامك يثير الشباب ويدفعهم لقتالنا، فكيف سنحل هذه المشكلة"..

    فرد عليهم: "هذه ليست مشكلتي، وإنما هي مشكلتكم أنتم، وعليكم حلّها".

    ـ كيف سنحلّها؟

    ـ برحيلكم عن أرضنا..

    عرضوا عليه أن يغادر الجنوب وله ما يريد، فقال لهم:

    "لن أغادر الجنوب، وسأبقى على أرضه".

    طلبوا منه لقاء في منزله، أو في أي مكان آخر، فأبى ورفض..

    حدثوه عن رأيه في علاقات مستقبلية مع "إسرائيل"، فأجابهم: "نحن كعلماء نرفض أي شكل من أشكال العلاقة مع إسرائيل في الحاضر وفي المستقبل"..

    وأسئلة أخرى كثيرة، ردّ عليها وأجاب عنها، وكانوا بعد كل ردّ وجواب يختنقون غيظاً وحقداً، ويظهرون خبثاً ولؤماً..

    ولابد من الإشارة هنا، أنه وبعد اعتقال الشيخ مباشرة، خرج الناس إلى شوارع البلدة، وفكروا فيما يقومون به من عمل، ثم توجهوا إلى النادي الحسيني، وتداعوا إلى اعتصام مفتوح، حتى يتم إطلاق سراحه..

    هذا الحدث، اعتبر يومها أول وأهم مظهر علني من مظاهر الرفض والمواجهة، فأهالي البلدة، وسائر أبناء القوى المجاورة لبّوا الدعوة إلى الاعتصام، وجاء الجميع يشارك إخوانه، أمّا الوفود القادمة من صيدا وبيروت فقد جاءت لتؤكد دعمها لهذه الخطوة الهامة في تاريخ العمل المقاومة، وقد بدأ الجنوب بكل مدنه وقراه يسير على هذا النهج، وسارعت وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لتغطية الحدث الكبير فتحدثت عنه بإسهاب ونقلت وقائعه إلى مختلف شعوب العالم..

    ولم تكد الأمور تبلغ الذروة، حتى أيقن العدو أن الأمر يسير بما لا يشتهي، وأن شرارة الرفض التي انطلقت من جبشيت، بدأت تتخطى حدود القرية لتصل إلى كل أرجاء الوطن، وأن اعتقاله للشيخ قد أمسى اعتقالاً لوجوده الغاصب، فاضطر وتحت وطأة الرفض الشعبي المتصاعد، أن يطلق سراحه، بعدما دامت مدة اعتقاله ما يقارب السبعة عشر يوماً، عجز العدو فيها عن تحقيق أيّة مكاسب.

    ويعود الشيخ إلى عرينه، فتتدفق الألوف لاستقباله، وابتهج الناس، فلقد ربحوا الجدولة الأولى من الصراع، وأرغموا العدو على التراجع..

    وآثر الشيخ توظيف هذا الانتصار، في خدمة المسيرة الجهادية، واستغلاله بما يذكي شعلة المقاومة، فعمل على تصعيد وتيرة الصراع مع العدو وبمختلف الأشكال بما فيها أشكال المواجهة المسلحة، وكان من أجل ذلك يلتقي مع المجاهدين، الذين يخوضون عملياتهم البطولية، ليسدد مسيرتهم، ويهتم بأحوالهم، ويوفر لهم سبل استمرار عملهم العسكري، ووسائل الدعم المادي والمعنوي، وأمست مواقفه التي كان يستعرضها في خطبة العديدة، تتسّم بالوضوح التام، والصراحة المطلقة..

    تجلى ذلك إثر عودته من طهران، التي زارها في شهر كانون الثاني من عام 1984، حينها وفي ذكرى أسبوع الشهيد هاني شكر، ألقى خطبة نارية، حدد فيها مواقف هامة، تحدث خلالها عن ضرورة مقاتلة العدو، حتى ندحاره عن كامل التراب المقدس، ثم قال: "لن نقبل بأنصاف الحلول، وإن من يمد يداً إلى عدونا، ويداً إلينا، نقول له، إما أن تكون كلّك معنا، أو كلك مع عدونا".

    الاغتيال الآثم..

    في تلك المرحلة المحتدمة من مراحل الصراع، كانت العمليات الجهادية للمقاومين المسلمين، تشتد وتتصاعد، لتهزّ الأرض تحت أقدام الغاصب المعتدي، وتلهب حصونه، وكانت الضربات المتلاحقة تقض مضجعه، وتلقنه درساً قاسياً، وتحولت بفعل ذلك، تلال الجنوب وأوديته إلى مصيدة لجنود الاحتلال..

    ولقد كان الشيخ آنئذ، قائد المقاومة، ورائدها، فأرادوا أن يتخلصوا منه علّهم يطفئون الشعلة المتأججة..

    ففي السادس عشر من شهر شباط، وفي ليلة الجمعة من عام 1984، وبعد أن أنهى الشيخ قراءة دعاء كميل، وبلّل وجه بدموع الخشية، توجه للسهر مع بعض إخوانه في بيت بجوار منزله، وأثناء خروجه، صوّب العملاء المرتزقة والمأجورون، بيدهم المرتجفة رصاص حقدهم الغادر، وهوى الفارس عن صهوة جواده، ليروي بدمه الطاهر عطش الأرض، مردّداً كلماته الأخيرة: "الله أكبر، الله أكبر"..

    وفي صباح اليوم التالي ترددت أصداء الجريمة النكراء، في كافة المناطق، فأدمى ذلك قلوب المؤمنين، وقرح جفونهم، وتنادى عشرات الألوف من أبناء جبل عامل، احتشدوا في مهرجان الشهادة، يهتفون بملء حناجرهم، منددين بالاحتلال الغاصب مهددين بالثأر لدم الشهيد، معاهدين قائدهم الراحل على المضي في الطريق الذي رسمه بدمه..

    ولقد أثبتت الأيام فيما بعد، أن دماء الشهيد السعيد الشيخ راغب حرب، لم تذهب هدراً، ولكنها تسامت وارتفعت، لتنبت في ربى الجنوب وعلى تلاله، مجاهدين شرفاء ومقاومين أشداء، جاهدوا العدو بسواعدهم الفتية وأرغموه على الفرار والهروب، مسجلين بذلك انتصاراً رائعاً، قلّ نظيره في تاريخنا الإسلامي المعاصر..


    فسلام عليه يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.


    _________________

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أغسطس 16, 2018 1:49 am